ابن حجر العسقلاني
275
فتح الباري
كلام الناس والمراد منه هنا ما كان يقصد بالاضرار فأما ما اقتضى فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب انتهى وهو تفسير للنميمة وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم وكلام غيره يخالفه كما سنذكر ذلك مبسوطا في موضعه من كتاب الأدب قال النووي وهى نقل كلام الغير بقصد الاضرار وهى من أقبح القبائح وتعقبه الكرماني فقال هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء فإنهم يقولون الكبيرة هي الموجبة للحد ولا حد على المشي بالنميمة الا ان يقال الاستمرار هو المستفاد منه جعله كبيرة لان الاصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو ان المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحي انتهى وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم لكن كلام الرافعي بشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين أحدهما هذا والثاني ما فيه وعيد شديد قال وهم إلى الأول أميل والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر انتهى ولا بد من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نص عليه في الأحاديث الصحيحة والا لزم ان لا يعد عقوق الوالدين وشهادة الزور من الكبائر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عدهما من أكبر الكبائر وسيأتي الكلام على هذه المسئلة مستوفى في أول كتاب الحدود إن شاء الله تعالى وعرف بهذا الجواب عن اعتراض الكرماني بان النميمة قد نص في الصحيح على أنها كبيرة كما تقدم ( قوله ثم دعا بجريدة ) وللأعمش فدعا بعسيب رطب والعسيب بمهملتين بوزن فعيل هي الجريدة التي لم ينبت فيها خوص فان نبت فهي السعفة وقيل إنه خص الجريد بذلك لأنه بطئ الجفاف وروى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة بلال ولفظه كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة إذ سمع شيئا زفر فقال لبلال ائتني بجريدة خضراء الحديث ( قوله فكسرها ) أي فأتى بها فكسرها وفى حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني انه الذي أتى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب انه الذي قطع الغصنين فهو في قصة أخرى غير هذه فالمغايرة بينهما من أوجه منها ان هذه كانت في المدينة وكان معه صلى الله عليه وسلم جماعة وقصة جابر كانت في السفر وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده ومنها ان هذه القصة انه صلى الله عليه وسلم غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين كما في الباب الذي بعد هذا من رواية الأعمش وفى حديث جابر انه صلى الله عليه وسلم أمر جابرا بقطع غصنين من شجرتين كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر بهما عند قضاء حاجته ثم أمر جابرا فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وان جابرا سأله عن ذلك فقال إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي ان يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين ولم يذكر في قصة جابر أيضا السبب الذي كانا يعذبان به ولا الترجي الآتي في قوله لعله فبأن تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر وانهما كانا في قصتين مختلفتين ولا يبعد تعدد ذلك وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة انه صلى الله عليه وسلم مر بقبر فوقف عليه فقال ائتوني بجريدتين فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة ويؤيده أن في حديث أبي رافع كما تقدم فسمع شيئا في قبر وفيه فكسرها باثنين ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه وفى قصة الواحدي جعل نصفا عند رأسه ونصفين عند رجليه وفى قصة الاثنين جعل على كل قبر جريدة ( قوله كسرتين ) بكسر الكاف والكسرة القطعة من الشئ المكسور وقد تبين من رواية الأعمش انها كانت نصفا